فصل: مسألة رجل زوج ابنه صغيرا والابن لا مال له فكتب الصداق على الابن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الرجل يخطب على ابن له صغير إلى رجل ابنته صغيرة:

وسألت عن الرجل يخطب على ابن له صغير إلى رجل ابنته صغيرة فزوجه وأطرقا قليلا ثم قال الرجل لأبي الصبي: هذا الأمر عليك إن هلك أو هلكت، فقال أبو الصبية: من هلك منهما فلا يتبع بعضنا بعضا بشيء، فقال أبو الصبي: نعم، قال ابن القاسم: النكاح ثابت لا يضره ما تكلما به من ذلك بعد ذلك لأن العقدة وقعت صحيحة، وما اشترطا فيه بعد ذلك فهو باطل، والصداق ثابت عاشا أو ماتا، وهو على الأب إن كان تحمل به وإن لم يكن تحمل به فهو في مال الصبي إن كان له مال يوم زوجه أبوه، فإن لم يكن له مال فهو في مال الأب، فإن وقع النكاح بهذا الشرط وكان نسقا واحدا فهو نكاح مفسوخ متى ما أدرك قبل البناء فإن دخل ثبت النكاح وكان لها صداق مثلها، وإن مات أحدهما في الصغر توارثا لأنه من النكاح الذي يثبت بعد الدخول، والصغيران والكبيران في ذلك سواء على ما فسرت لك، وكذلك لو اشترطا على أن لا ميراث بينهما على مثل ذلك سواء، ويفسخ النكاح فيه أيضا إذا لم يدخل بمنزلة الذي ينكح على أن لا نفقة عليه وما أشبهه، قال عيسى: ويبطل الصداق إن ماتا إذا كان على ذلك وقع الشرط.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن تكلما به بعد تمام العقد وكماله لا يلزم ولا يفسد العقد، وإن شرطا ذلك في العقد أفسده وفسخ قبل الدخول وثبت بعده وكان فيه صداق المثل لأنه نكاح فسد لصداقه بما اشترطا فيه، وقول عيسى بن دينار: إن الصداق يبطل إن مات إذا كان على ذلك وقع الشرط صحيح على المعلوم في المذهب إذ المنصوص عليه من أن النكاح الذي فسد لصداقه لا شيء للمرأة فيه إلا بالدخول، وقد روي عن أصبغ فيمن تزوج بغرر ثم مات قبل الدخول أن لها صداق مثلها وإن طلق فلا شيء لها فراعى التسمية الفاسدة وجعله كنكاح التفويض على مذهب من يرى أنه يجب فيه بالموت صداق المثل، وليس هذا معروفا في مذهبنا، وكذلك يبطل الصداق المسمى في النكاح على أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك من الأنكحة الفاسدة إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول على القول بأنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون فيه صداق المثل، وهو الصحيح من الأقوال إلا على مذهب أصبغ وهو شذوذ.

.مسألة امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته وهي تدعي أنهما جميعا زوجاها:

ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك:
قال عيسى: وكتب إلى ابن القاسم صاحب الشرط يسأله عن امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته وهي تدعي أنهما جميعا زوجاها، كان أحدهما زوجها فزعمت أنه أجاعها وضرها فهربت من عنده وظنت أن ذلك فراقه وزعمت أن الآخر تزوجها إلا أنه طلقها، قال ابن القاسم: يسأل الأول فإن كانت له بينة بأنها امرأته فارددها إليه بعد أن يحلف بالله ما طلقها، ولا يطأها حتى يستبرئ رحمها بثلاث حيض، فإن لم تكن له بينة فلا يقبل قوله ولا إقرارها بأنها امرأته ويفرق بينهما، ويسأل الآخر البينة على نكاحها فإن ثبتت له بينة فارددها إليه واستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو ما طلقها ولا صالحها إن قامت له بينة على أصل النكاح، وإن لم تقم له بينة فرق بينهما ولتكن أولى بنفسها تنكح من أحبت.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن المرأة التي ادعى كل واحد منهما أنها زوجته بائنة عنهما، منقطعة بنفسها، ليس في ملك أحدهما وتحت حجابه، وقوله: يسأل الأول البينة يريد الأول على ما أقرت له به الزوجة من ذلك وإن لم تصدق في إقرارها له بذلك، ويحتمل أن يريد الأول على دعواهما مثل أن يقول أحدهما تزوجتها في المحرم من سنة كذا ولا أدري ما يقول هذا، ويقول صاحبه تزوجتها في رجب من تلك السنة ولا أعلم له فيها نكاحا، قيل: الأول أظهر، وإنما حلف الأول ما طلقها إذا كانت له بينة أنها امرأته وإن لم تدع عليه امرأته الطلاق لأن سكوته على خروجها من عنده وبينونتها بنفسها وتصيرها إلى غيره على ما زعمت من أنه تزوجها بشبهة تدل على أنه قد طلقها لعله أقوى من الشاهد الواحد على الطلاق ويمين الثاني أبين لدعوى المرأة عليه الطلاق مع كونها خارجة عن ملكه منقطعة بنفسها، وكذلك تقول على هذا لو انتقلت امرأة عن زوجها وبانت بنفسها ولم يظهر منه إنكار لذلك حتى طال الأمر فتزوجت أو أرادت التزويج وزعمت أنه طلقها فأنكر أن اليمين لازمة له وإن لم يكن لها شاهد لأن هذه الأسباب تقوم لها مقام الشاهد، ولو أقام كل واحد منهما بينة ولم تؤرخ لم يكن لواحد منهما نكاح إذا كانتا عدلتين وإن كانت إحداهما أعدل من الأخرى، ولو كانت هذه المرأة التي تداعيا فيها في ملك أحدهما وعياله وتحت حجابه وهما طارئان أو مقران بالنكاح مع اشتهار ذلك وإعلانه لكانت البينة على الآخر، فإن لم يأت ببينة على ما ادعى من أنها زوجته بقيت تحت الذي هي في ملكه وتحت حجابه ولم تجب عليه يمين على معنى ما في رسم الكبش من سماع يحيى، وسيأتي الكلام على ذلك هناك إن شاء الله.

.مسألة تعلقت برجل وزعمت أنه زوجها وزعمت أن نبطية زوجتها إياه:

قال عيسى: وكتب إليه أيضا يذكر أن امرأة تعلقت برجل وزعمت أنه زوجها وزعمت أن نبطية زوجتها إياه فادعت بشهود فجحد الشهود ما ادعت، قال: إن أقر بالدخول فأحسن أدبهما وفرق بينهما دخل أو لم يدخل لأنه لو ثبتت لهما بينة لم يثبتا على النكاح لأن أصل النكاح حرام لا يقران عليه، ولم يمنعني أن أعاقب في المسألة الأولى إلا أن ذلك أمر قد طال الذي ذكروا وعسى الشهود أن يكونوا قد ماتوا أو غابوا، فلذلك وقفت في عقوبتهم.
قال محمد بن رشد: إنما رأى الأدب عليهما دون الحد لإظهارهما الأمر قبل أن يعثر عليهما فيه، ولو وجدا يزنيان أو أخذا في بيت فأقرا بالوطء وادعيا أنهما زوجان لحدا إن لم يأتيا بالبينة على النكاح على ما في كتاب الرجم والحدود في القذف من المدونة، ولو لم يقرا بالوطء ولا شهد عليهما به لأدبا ولم يحدا، وعلى هذا يحمل ما في كتاب النكاح الأول من المدونة. ويحتمل أن يكون سقط الحد عنهما في مسألة المدونة لشهادة الأب والأخ أن الأب زوجها إياه، فرأى ذلك شبهة تسقط الحد وإن لم يقبل قولهما، يريد بالمسألة الأولى التي قبلها لأن كل واحد من الرجلين أقر بالدخول بالمرأة وادعى أنها زوجته، فلم ير على من لم يثبت منهما أنها امرأته حدا لأنه أقر طائعا بأمر لا ريبة عليه فيه ولا رأى عليه أدبا لما ذكر من طول الأمر، والله الموفق.

.مسألة فوض إليه أمر امرأته فبعث إلى أهلها بشيء فسخطوه فقال إن لها صداق مثلها:

ومن كتاب القطعان:
قال: وسئل عن رجل فوض إليه أمر امرأته فبعث إلى أهلها بشيء فسخطوه فقال: إن لها صداق مثلها ثم طلق فلم يدخل بها، قال ابن القاسم يرجع عليه بنصف صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه قد أوجب لها على نفسه صداق مثلها بقوله فإن لها صداق مثلها، ولو لم يقل ذلك لما وجب عليه أن يتم لها صداق مثلها على ما كان بعث به ولكان له أن يرد النكاح عن نفسه ويرجع بما كان بعثه به على ما قاله في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الشفعة لأن نكاح التفويض لا يجب فيه الصداق إلا بالتسمية أو الدخول، والله الموفق.

.مسألة تزوج امرأة فدخل بها وهي حائض فأصابها حائضا ثم طلقها:

وسئل عن رجل تزوج امرأة فدخل بها وهي حائض فأصابها حائضا ثم طلقها بعد أن طهرت طلقة هل يملك رجعتها؟ فقال: لا أرى ذلك له، وأراها طلقة بائنة بمنزلة ما لو طلقها قبل أن يبني بها لأن ذلك الوطء ليس بوطء.
قال محمد بن رشد: قوله لأن ذلك الوطء ليس بوطء معناه ليس بوطء جائز لأنه وطء يوجب الغسل والحد والصداق باتفاق، وإنما يختلف هل يحصن الحرة المسلمة ويحل المطلقة أم لا على ما يأتي القول فيه في أول سماع سحنون، فعلى القول بأنه يحل ويحصن يوجب الرجعة، والله أعلم.

.مسألة ينكح المرأة ويشترط عليه أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا فلا نكاح:

ومن كتاب أوله باع شاة واستثنى جلدها:
قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح المرأة ويشترط عليه في عقدة النكاح أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بيننا وبينك، قال: هذا نكاح حرام لا يقران عليه ويفرق بينهما دخل أو لم يدخل، وقد قال: إذا دخل بها ثبت النكاح ولم يفسخ، قلت: فالرجل يتزوج المرأة على أن لا ميراث بينهما؟ قال هذا ومن تزوج على أن لا نفقة بينهما وعلى أن لها من القوت كذا وكذا هذا ونحوه من الوجوه التي تشترط في النكاح إذا أدرك قبل البناء فسخ، وإن فات ببناء ثبت وسقط الشرط، وهما يتوارثان فيه قبل أن يفسخ قبل البناء وبعده، قلت: هل سمعت من مالك في هذا بعينه شيئا في النكاح الذي لو أدركته قبل البناء فسخته وإذا مات أحدهما قبل البناء أنهما يتوارثان؟ قال ابن القاسم: كذلك قال لي مالك فيه بعينه، وكذلك نكاح أهل مصر إنما صداقهم إلى موت أو فراق، وكان مالك يفسخه قبل البناء ويرى الميراث بينهما إذا مات أحدهما قبل البناء، قلت: فالرجل ينكح المرأة وتشترط عليه أنك إن لم تأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فأمرها بيدها؟ قال: قال مالك يفسخ، ولم يقل دخل أو لم يدخل، وأنا أرى إذا دخل ألا يفسخ.
قال محمد بن رشد: أما الذي ينكح المرأة وتشترط عليه أنه إن لم يأت إلى أجل كذا وكذا بصداقها فلا نكاح بينهما فهو نكاح خيار لأن الأمر يرجع إلى أن الزوج بالخيار بين أن يأتي بالصداق إلى الأجل فيجب له النكاح أو لا يأتي إليه فلا يجب له، فاختلاف قوله في وجوب فسخه بعد الدخول على اختلاف قول مالك في وجوب الفسخ بالخيار بعد الدخول، وقد نص على ذلك في المدونة، وهذا الاختلاف إنما يتصور إذا أتى بالصداق إلى الأجل واختار الزوج النكاح قبل انقضاء أيام الخيار أو اختارته المرأة إن كان الخيار لها قبل انقضاء أيام الخيار وأما إن لم يأت الزوج بالصداق إلى الأجل أو لم يختر من له الخيار من الزوجين حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما، والقول بأن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده على القول بأن البيع على الخيار يجب إذا اختار من له الخيار يوم العقد، والقول بأنه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده على القول بأن البيع على الخيار يجب إذا اختار من له الخيار يوم الاختيار، وهو المشهور في المذهب، والقول الثاني قائم من كتاب الشفعة من المدونة. والعلة في أن الخيار لا يجوز في النكاح هو أنه عقد قد لزم أحدهما ولا ميراث فيه مع أنه قد قيل: إنه عقد مترقب ينكشف بامضائه وجوبه يوم عقده. وقوله فيه بأنه نكاح حرام تجوز في اللفظ إذ لم يأت بتحريمه كتاب ولا سنة ولا إجماع، والتعليل بأنه لو مات أحدهما لم يتوارثا ضعيف؛ لأن الأغلب الأمن من الموت فيما قرب مثل اليوم واليومين ونحوهما مع أن الأشهر أنه غير منعقد حتى يمضي، فلو تزوج رجل امرأة على أنهما جميعا بالخيار الزوج والمرأة والولي لانبغى أن يجوز إذ لم يلزم النكاح واحدا منهم وإنما يجب يوم يمضي، فالنكاح في باب الصداق أوسع من البيع لأنه يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيع، والبيع في باب العقد أوسع من النكاح لأنه يجوز فيه من الخيار ما لا يجوز في النكاح، والنكاح أوسع من الصرف لأنه يجوز فيه الخيار في المجلس وأن يعقداه على مشورة فلان إذا كان حاضرا بالبلد قريبا فأرسلا إليه في فورهما ليعلما رأيه يريد قبل أن يفترقا من مجلسهما، وسيأتي ذلك في آخر سماع أصبغ، ولا يجوز شيء من ذلك في الصرف، وقد قيل: إن الخيار في المجلس جائز في الصرف. فعلى هذا القول يجوز في النكاح اليوم واليومان ونحوهما لما ذكرناه من أنه أوسع منه، وأما الذي يتزوج المرأة على أن لا ميراث بينهما أو على أن لها من القوت كذا وكذا فقد مضى القول فيه في رسم الرهون. وقسم في هذه الرواية الأنكحة الفاسدة لعقودها قسمين: أحدهما أن يكون أصله حراما، والثاني أن يكون أصله حلالا ويشترط فيه شرطا حراما، وهو تقسيم فيه نظر لأن ما كان أصله حراما ينقسم إلى قسمين: إذ منه ما يتفق على تحريمه كنكاح المرأة في عدتها أو على عمتها أو على خالتها أو على أمها وإن لم يدخل بها وما أشبه ذلك، ومنه ما يختلف في تحريمه كنكاح المحرم والنكاح بغير ولي وما أشبه ذلك، فالأول لا ميراث فيه ولا طلاق، ولا يكون الفسخ فيه طلاقا، ولا يجب فيه الصداق المسمى إلا بالدخول، والثاني يختلف في وجوب الميراث والطلاق فيه فيجب عند مالك في أحد قوليه مراعاة لقول من يراه نكاحا جائزا، ووجوب الصداق المسمى فيه إن مات أحد الزوجين قبل الفسخ يجري عندي على هذا الاختلاف، ولأن ما كان أصله حلالا واشترطوا فيه شرطا حراما ينقسم إلى أقسام، منه ما يفسخ قبل وبعد باتفاق في المذهب مثل نكاح المحلل ونكاح أمة على أن كل ولد تلده فهو حر وما أشبهه، ومنه ما يفسخ قبل الدخول باتفاق وبعده على اختلاف مثل النكاح على الخيار وعلى أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك، ومنه ما يفسخ قبل الدخول ويثبت بعد الدخول باتفاق، ومنه ما يثبت بعد الدخول ويختلف في فسخه قبل الدخول مثل أن يتزوج الرجل المرأة على أنه إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فأمرها بيدها، وقد مضى القول على هذه المسألة في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، واختلف فيما فسخ من هذه الأنكحة بعد الدخول هل يكون فيه صداق المثل أو الصداق المسمى، وكذلك ما لم يفسخ منها بعد الدخول وقد ذهب الشرط مثل النكاح على الخيار على أحد قولي مالك، ونكاح الأمة على أن أول ولد تلده فهو حر إذا لم يعثر على ذلك حتى ولدت على مذهب ابن الماجشون. وأما ما لم يفسخ منها بعد الدخول مما الشرط فيه قائم مثل النكاح على أن لا ميراث بينهما وعلى أن لا نفقة لها وما أشبه ذلك فأبطل فإن المرأة ترد إلى صداق مثلها.

.مسألة أفيستخلف الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة يعقد له نكاحه:

قلت لابن القاسم: أفيستخلف الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة يعقد له نكاحه؟ قال: لا بأس به، ولا بأس أن تزوج المرأة عبدها ولا تزوج أمتها ولكن من ولي من النساء أو العبيد شيئا من أمور النساء فليستخلفوا من يزوجهن.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما يأتي في آخر هذا الرسم، وهو صحيح لا اختلاف فيه، وقد مضى بيانه في رسم سن من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.

.مسألة أفيزوج المسلم النصرانية:

قلت: فيزوج المسلم النصرانية؟ قال ابن القاسم: لا يزوج المسلم النصرانية كانت أخته أو ابنته أو مولاته، لا يزوج المسلم النصرانية مسلما ولا نصرانيا، قلت: فالسلطان ترفع إليه النصرانية أمرها أترى للسلطان أن يستخلف عليها من يزوجها؟ قال: لا يستخلف عليها من يزوجها وليردها إلى أهل دينها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم موعبا فلا معنى لإعادته.

.مسألة الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها في عقدة النكاح أن ينفق عليها:

قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها في عقدة النكاح أن ينفق عليها ما يصلح مثلها فإن لم يفعل فأمرها بيدها هل ترى هذا النكاح جائزا؟ وإن رأيته جائزا فأنفق عليها ما يصلح مثلها سنين ثم رقت حاله فقصر عن نفقة مثلها سنين فقرت ورضيت بذلك ثم بدا لها فأحبت أن تختار أيكون ذلك لها؟ قال ابن القاسم: لا أرى هذا النكاح جائزا وأرى أن يفسخ إن لم يدخل وإن دخل لم يفرق بينهما وكانت على شرطها إن لم يقدر على شيء كان أمرها بيدها، قال: وإن رقت حاله فقصر عن نفقة مثلها فقرت على ذلك ورضيت فليس لها بعد ذلك قول، ليس في يديها مما جعل لها شيء لأن هذا فعل واحد، وهو بمنزلة الذي يقول: إن لم أعطك بقية صداقك إلى أجل كذا وكذا فأمرك بيدك فيأتي الأجل فيعسر بالمهر وتقيم معه ويصيبها ولا يقضي شيئا ثم تطلب بعد ذلك فلا شيء لها لأن النفقة أمر واحد وليس هو فعل يأتي بعد فعل، ألا ترى أنه لو قال: إن نكحت عليك إلا بإذنك فأمرك بيدك فتأذن له فينكح ويدخل بها ثم يبدو لها فلا يكون لها بعد ذلك في تلك المرأة قول إلا أن يريد أن ينكح غيرها فتحلف أنها إنما كان ذلك إذنا منها في هذه ولم تكن تركت ما كان في يديها.
قال محمد بن رشد: قوله في التي شرطت على زوجها أن ينفق عليها ما يشبه مثلها فإن لم يفعل فأمرها بيدها إن النكاح يفسخ قبل الدخول أو تكون على شرطها بعد الدخول ليس بمعتدل على أصولهم، إذ لا يخلو الشرط من أن يكون جائزا أو فاسدا، فإن كان جائزا فينبغي أن تكون على شرطها قبل الدخول وبعده، ولا يفسخ النكاح كسائر الشروط المقيدة بتمليك أو طلاق، وإن كان فاسدا يجب فسخ النكاح به قبل الدخول، فينبغي إذا لم يفسخ به بعد الدخول أن يبطل الشرط وترد إلى صداق مثلها، والقول الأول أظهر أن يكون النكاح جائزا والشرط لازما كسائر الشروط، وهذه الرواية تأتي على ما يروى عن سحنون أن الشروط المشترطة في أصل العقد المقيد بتمليك أو طلاق يجب بها فسخ النكاح قبل الدخول ولمراعاة قوله مضى العمل على كتاب الشروط في الصدقات على التطوع، وقد مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم على المسألة التي ساقها عليه من شرط التمليك في النكاح فلا معنى لإعادة ذلك.

.مسألة الرجل يتزوج الحرة على أنه حر فإذا هو عبد:

وعن الرجل يتزوج الحرة على أنه حر فإذا هو عبد، هل يكون لها الخيار قبل أن يرفع ذلك إلى السلطان؟ أو هل يفوض إليها السلطان إذا رفع ذلك إليه أمرها إلى نفسها فتطلق ما شاءت؟ وعن الذي يجذم هل تطلق زوجها ما شاءت أو يفرق السلطان بينهما بواحدة ولا يفوض إليها شيئا؟ وكيف إن طلقتا أنفسهما ثلاثا امرأة المجذوم وامرأة الذي غر من نفسه قبل أن يرفع ذلك إلى السلطان هل يلزمها ذلك؟ قال: أما الذي غر من نفسه فلامرأته أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان، فما طلقت به نفسها جار عليها، وأما الذي يجذم فليس لامرأته الخيار حتى ترفع ذلك إلى السلطان، فإذا رفع ذلك إليه فليس له أن يفوض أمرها إليها تطلق ما شاءت ولكن على السلطان إذا كرهته وأرادت فراقه أن يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه، وكذلك المجنون إلا أن المجنون يضرب له أجل سنة، وكذلك سمعت من مالك من يوم ترفع، قلت: فأيهم يضرب له أجل سنة، الموسوس وحده أو الذي يغث مرة ويفيق أخرى، وهو إذا أفاق صحيح، قال ابن القاسم: سبيلهما واحد، وقد قال لي مالك: وأي شيء أشر من أن يعث الرجل مع المرأة في بيت واحد فينخلع قلبها، قال ابن القاسم: والذي حفظت عن مالك في المعتوه أنه يضرب له أجل سنة ولا يخلى بينه وبينها في هذا الأجل:
قال محمد بن رشد: أما قوله في الذي غر الحرة من نفسه وزعم أنه حر فانكشف أنه عبد إن لامرأته أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان يريد أنها إن فعلت جاز ذلك لها إن كان الزوج مقرا بأنه غرها ولم يدع أنه أعلمها أنه عبد، وأما إن نازعها في ذلك فليس لها أن تختار نفسها إلا أن يحكم لها السلطان بذلك، وهذا معنى قوله في المدونة أو رضي الزوج بذلك ورضيت المرأة وإلا فرق بينهما أو أبى الزوج إذا اختارت فراقه، فليس ما في المدونة بخلاف لما هاهنا في هذا إذ لا معنى لاشتراط رضى الزوج بالفرقة إذ أقر بغروره إياها، فإن اختارت نفسها وهو منكر فرفع ذلك إلى السلطان وثبت عنده غروره إياها مضى الطلاق بما عند السلطان من أنها فعلت ما لها أن تفعل. وقوله: فما طلقت به نفسها جاز عليها هو على أحد قولي مالك في المدونة في الأمة تعتق تحت العبد أن لها أن تختار ثلاثا على حديث زبراء، وقد قال في المدونة في المجبوب يغر المرأة من نفسه: إنها ليس لها أن تطلق نفسها إلا واحدة وتكون بائنة، وذلك على قوله الثاني في أن الأمة المعتقة تحت العبد ليس لها أن تطلق نفسها إلا واحدة وتكون بائنة بها، وقوله في امرأة المجذوم والمجنون: إنها ليس لها أن تختار نفسها حتى ترفع ذلك إلى السلطان، وإنها إذا رفعت ذلك إليه لم يفوض إليها الأمر في الطلاق، ولكنه هو يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه صحيح؛ لأن ذلك حكم من السلطان باجتهاده ليس فيه سنة قائمة كما في الأمة التي تعتق تحت العبد فذلك بخلاف العبد يغر الحرة من نفسه، وقال هاهنا: إنه سمع من مالك أنه يضرب للمجنون أجل سنة في علاجه، وقال في المدونة: إنه لم يسمع ذلك منه، وإنما بلغه ذلك عنه، وقوله ههنا: إنه يفرق بينهما بعد أن يضرب له أجل سنة، وإن لم يكن جنونا مطبقا لما يصيبها منه من الفزع هو خلاف ما في سماع زونان لابن وهب وأشهب، وخلاف قول ربيعة في المدونة، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم نقدها من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة رجل زوج ابنه صغيرا والابن لا مال له فكتب الصداق على الابن:

قال ابن القاسم في رجل زوج ابنه صغيرا والابن لا مال له فكتب الصداق على الابن فيدخل الابن ثم يكبر أو لا يدخل، وقد بقي عليه من الكالئ، قال ابن القاسم: إن لم يدخل حتى يبلغ فهو مخير إن شاء دخل عليها بما كتب عليه، وإن شاء فارق ولا شيء عليه، وأما إن دخل قبل أن يبلغ أو يجوز أمره فالصداق على الأب أو دخل بعد أن كبر ولم يعلم فالصداق على الأب إذا دخل والشرط باطل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا زوج ابنه، وهو صغير لا مال له إن الصداق على الأب، وإنه إن كتبه عليه لم يلزمه إلا أن يلتزمه بعد البلوغ، وإنه إن دخل قبل البلوغ أو بعد البلوغ، ولم يعلم سقط عنه ولزم الأب وكان شرطه باطلا صحيح؛ إذ ليس للأب أن يوجب على ابنه دينا ويلزمه إياه، وهو على معنى ما في النكاح الثاني من المدونة لمالك وربيعة وعلى ما في سماع أبي زيد لابن القاسم فيما يشترط من الشروط على ابنه، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أن اشتراطه الصداق عليه إذا كان صغيرا أو كبيرا سفيها لا مال له لازم له، وهو ظاهر قول أبي الزناد في المدونة، وعليه يأتي قول ابن وهب في سماع أبي زيد إنه يلزمه ما جعل عليه أبوه من الشروط؛ إذ لا فرق بين المسألتين.

.مسألة هل للرجل المسلم أن يستخلف النصراني في الزواج:

قال: وسألته عن الرجل المسلم يستخلف النصراني هل تجوز خلافته؟ أو هل له إن أجزت له خلافته في تزويج بنات الذي أوصى إليه أمر أو نهي؟ أو هل له أن يستخلف من يزوجهن ولا يكون ذلك إلا برضاه، وهل للنصراني في تزويج ابنته المسلمة أمر أو نهي؟ أو هل يستخلف من يزوجها؟ والعبد هل يستخلف من يزوج ابنته الحرة أو يطلب في هذا رضى واحد منهم في نكاح من ذكرت حتى لا يكون ذلك إلا برضاهم؟ وإن كنت لا تراه جائزا في واحد منهم ففعل من لا يجوز له ذلك منهم فلم يدرك إلا بعد البناء أو قبله؟ قال ابن القاسم: لا أرى أن تجوز وصية المسلم إلى النصراني إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، قلت: فإن أجازها السلطان هل ترى أن يستخلف النصراني مسلما يزوج بنات الذي أوصى إليه المسلمات؟ قال: نعم ذلك له، وأما النصراني فليس له من ولاية ابنته المسلمة قليل ولا كثير، ولا يزوجها ولا يستخلف من يزوجها ولا يطلب في ذلك رضاه، وأما العبد المسلم في ابنته الحرة فإنه إن كان عبدا ينظر لابنته مثل العبد الفاره الناقد فأرى أن يحضره وينظر في قوله، فإن رأى في قوله سدادا رأيت أن يُتبع، وليس له في الاستخلاف في البضع قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قوله في وصية المسلم إلى النصراني إنها لا تجوز إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، الوجه في ذلك هو مثل أن يكون قريبه أو مولاه أو زوجته، فيرى أنه إنما أوصى إليه لما رجاه من حسن نظرهم له بسبب ما في الجبلة من العطف والمودة والإشفاق على ذوي الرحم والقربى، وهو خلاف ظاهر ما في المدونة من أنه لا تجوز الوصية إلى المسخوط ولا إلى الذمي، وقال أصبغ: إذا كان قريبا ورأى أنه إنما أوصى إليهم لما رجاه من حسن النظر لابنه فلا يعزل عن الوصية ويجعل معه من عدول المسلمين من ينظر معه ويكون المال بيده، وهو أحسن الأقوال وأولاها بالاتباع، وإليه ذهب ابن حبيب وحكاه عن مطرف وابن الماجشون، وقد مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم تحصيل القول فيمن يجوز للنصراني والعبد والمرأة أن يلي عقد النكاح عليه، وفيمن لا يجوز لواحد منهم أن يلي عقد النكاح عليه ويجوز له أن يستخلف على ذلك وفيمن لا يجوز له أن يلي عقد النكاح عليه إلا أن يستخلف على ذلك فلا معنى لإعادة ذلك ههنا.

.مسألة الرجل يكون في حجره يتيم له مال فيريد أن يزوجه ابنته:

وسئل عن الرجل يكون في حجره يتيم له مال فيريد أن يزوجه ابنته، قال: إن كانت ابنته لا مال لها، وإنما رغب في مال اليتيم فإن ذلك نكاح غير جائز، وإن كان لابنته من المال مثل الذي لليتيم هما سواء ومثلها كانت تصلح له فذلك جائز.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه إن ظهر السداد في فعله لليتيم جاز، وإن ظهر أنه غير سداد لم يجز، وهو محمول على غير السداد حتى يعلم في ذلك السداد؛ لأنه متهم في ابنته وفي نفسه، فواجب على السلطان إذا رفع إليه ذلك أن ينظر فيه فإن كانت ابنته دنية لا تشبه مناكحه فسخ النكاح، وإن كانت تشبه مناكحه إلا أنه استكثر لها من ماله في الصداق أمضى النكاح وطرح عنه الزيادة دخل أو لم يدخل، بخلاف تزويجه إياه من امرأة أجنبية لأن فعله في ذلك محمول على السداد حتى، يثبت خلافه كبيعه عليه وشرائه له، والرواية بما دل على ذلك منصوصة قال مالك في كتاب ابن المواز: لا أحب أن يزوج الوصي يتيمته من نفسه، قال في الواضحة ولا من ابنه لأن ذلك من ناحية ما كره له من الاشتراء من مالها، فإن وقع نظر فيه السلطان فإن كان صوابا مضى وإلا فسخ، قال ابن المواز: إلا أن يتم لها ما يشبهها أو ينزل بها بعد النكاح ضرر في بدن أو مال حتى يصير الفسخ ليس بنظر فيمضي استحسانا.
قال ابن حبيب: إذا فات بالبناء قضى لها بتمام صداق مثلها في قدرها ومالها. وإنما يمضي قبل الدخول إذا أتم لها ما يشبهها إذا كان كفوا لها فقصر فيما فرض لها من الصداق، ولو كانت ثيبا لا ولاية له عليها مضى النكاح ولم يكن للسلطان فيه نظر، ولو كانت ثيبا له عليها ولاية مضى النكاح ووفيت تمام صداق مثلها إن كان قصر لها في الصداق.

.مسألة الرجل يكون وصي الرجل فتحضره الوفاة فيوصي إلى امرأة أو عبد:

وسئل ابن القاسم عن الرجل يكون وصي الرجل فتحضره الوفاة فيوصي بماله وبولده وبما في يده من الوصية إلى امرأة أو عبد هل تزوج المرأة والعبد ذكور ولد من أوصى إليهما؟ قال ابن القاسم: نعم تزوج المرأة والعبد ذكور ولد من أوصى إليهما ولا يزوجان الإناث إلا أن يستخلفا. قال ابن القاسم: انظر من كان يوما يجوز إنكاحه نفسه مثل الصبي والسفيه والعبد فإن أولئك لا بأس أن تزوجهم امرأة أو عبد أو نصراني إذا فوض أمرهم إليه، وكل من لا يجوز له إنكاحه نفسه على حال من الأحوال من النساء فأولئك لا يزوجهن عبد ولا امرأة ولا نصراني.
قال محمد بن رشد: قوله إن المرأة والعبد والنصراني يزوجون ذكور ولد من أوصى إليهم ولا يزوجون الإناث ويستخلفون من يزوجهن صحيح مبين لما مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم ولما في المدونة ولما وقع في كتاب ابن المواز، وقد مضى بيان ذلك كله والقول فيه في رسم سن المذكور، وبالله التوفيق، لا رب غيره، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تم كتاب النكاح الثالث.